من الجهادية السُّنِّيَّة في بغداد 2003 إلى سؤال الجهادية الشيعية في طهران 2026
الفرق بين البنى الجهادية الإسلامية المسلحة من سقوط بغداد إلى اغتيال المرشد الأعلى
في 11 أبريل/ نيسان 2003، كنت في العاصمة السعودية الرياض.
سقوط بغداد لم يكن خبراً عادياً. تواصلت يومها مع أحد الأصدقاء المثقفين الكبار - ولن أذكر اسمه لأنني لم أستأذنه - عبر MSN Messenger، الوسيلة التي قد تكون الوحيدة “المجانية“ للتواصل آنذاك بين الدول. كان محبطاً، وهذا مفهوم. لكن رده جاء حاداً ومفاجئاً لي:
“الأمريكان ما يفكرونا هنود حمر”.
تفاجأتُ. ليس من الغضب، بل من عمقه. أدركت لحظتها حجم الشعور الذي كان يتكوّن في الشارع العربي — شعور بالمهانة لسقوط حاضرة عربية مركزية، لا مجرد نظام سياسي. ذلك الإحساس بالاستباحة لم يكن خطاباً أيديولوجياً بعد، لكنه كان مادة خاماً لتجنيد جهاديين كثر لاحقاً.
ومن هنا بدأ طور جديد عنيف من الجهاد السني.
اليوم يثار سؤال عن الجهادي الشيعي بعد أن قتل القصف الأميركي-الإسرائيلي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، وكان يعد رأس الهراركية الشيعية السياسية، لا بل رأس البنية الدينية للنظام السياسي الشيعي الوحيد في العالم الذي أسس على مبدأ “ولاية الفقيه“.
هل سيحرك الاغتيال، الجهادية الشيعية بذات الطريقة التي حرك سقوط بغداد الجهادية السنية؟
لفهم البنى في كل المذهبين لتحديد السلوك الحركي هناك مجموعة من المعطيات.
“تحول الجهادية”
سقوط نظام صدام حسين على يد الولايات المتحدة فتح باب تسريع عملية تعبئة سنية عابرة للحدود، ونقطة تحول عن الجهادية التقليدية التي كان اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 المحطة المبكرة فيها.
ومن ثم شكل الجهاد الأفغاني، ومن ثم تأسيس تنظيم القاعدة كجبهة عابرة للحدود، محطة أساسية في تشكل العنف الجهادي، مصحوباً بتوزّع المقاتلين بعد ذلك بين الجزائر في تسعينياتها، والبوسنة، وطاجيكستان، والشيشان، وحتى السعودية بعد عام 2003. أما ذروة العنف الجهادي السني فكان في هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
الاحتلال الأميركي للعراق، أبرز، ولأول مرة منذ عقود طويلة، أزمة سنية في العالم العربي. المذهب الأكبر عدداً، والحاكم تاريخياً. أذكر أحد السياسيين العراقيين، مفضلاً عدم ذكر أسمه، وهو يقول لي: “جئنا للحكم في العراق لأول مرة منذ 1400 عام“، تعبيراً عن حكم المجموعات السياسية الشيعية للعراق بعد الاختلال الأميركي 2003.
لعبت البنية اللاهراركية للمذهب السني، دوراً أساسياً في فاعلية المجموعات الجهادية، وبالتالي برز عنف منفلت (تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية مثال بارز لاحقاً، لكن أبو مصعب الزرقاوي في العراق، وحتى عمليات القاعدة أيضاً لم تخلُ من العنف المنفلت، ومن تبريرها دينياً دون الحاجة إلى فقيه يفسر أو يبرر).
وهو ما فسر لاحقاً انتشار نمط العمليات الفردية، التي تعرف بالجهاد الفردي بشكل كبير كلما ضعفت البنية التنظيمية للمجموعات الجهادية. بعبارة أخرى لا يحتاج السني سوى إلى فتوى عامة بجواز فعله لينفذ عملية انتحارية أو انغماسية.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر الواتساب: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
“الفتوى الخاصة”
أما الشيعي، وهنا المدخل لتفسير تباين جهاديته عن تلك السنية، فينطلق من فتوى خاصة، فمثلاً حالة هادي مطر اللبناني الشيعي حاول اغتال الكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي، بناءً على فتوى، صدرت من الإمام الخميني قبل مولده بست سنوات، بحق الكاتب بعينه، لا بحق الكتاب “المرتدين“ مثلا، وهنا أجل الفتوى، يقول الفقهاء، خاصة، لكنها، تعمم حين تدخل فيها الحركية السياسية. لكن، وفي المقابل السني، الأمثلة كثيرة، محمد البويري في أمستردام قتل المخرج الهولندي فان غوخ عام 2004 بناءً فهم ديني للتعامل مع الإساءة لنبي الإسلام. وكذلك الهجوم على تشارلي إيبدو، او الشاب الشيشاني الذي قتل المعلم الفرنسي لإعتقاده أنه أساء للدين الإسلامي، أو هجمات مانشتسر ضد الكنيس اليهودي السنة الماضية، أو هجمات شاطئ بونداي في استراليا، وأنا أدرك أني تخطيت الكثير من الهجمات الفردية.
هجوم مسلح لشخص يرتدي قميصاً عليه علم إيران في تكساس، بعد الإعلان عن مقتل خامنئي، مودياً بحياة ثلاثة أشخاص، كان نذيراً عن مدى صلاحية هذا التحليل.يصعب في الحالة الشيعية أن تزداد العمليات الفردية، المدفوعة بتفسير ديني. الحركية السياسية للفقه الشيعي الاثني عشري، حتى خارج ولاية الفقيه مثلاً، في الفهم النجفي في العراق، يقوم على هيراركية دينية. نظام التقليد يمنح المرجع شرعية ملزمة، وبالفعل تطور نظرية ولاية الفقيه، أصبح رجل الدين جزءاً من بنية الدولة، أي اكليروس سياسي Political Clergy بالمعنى المؤسسي.
إقرأ في الحكّاء أيضاً: خمسة أسئلة عن استراتيجية تنظيم ما يعرف بـ”الدولة الإسلامية”
“بين التحشيد والانضباطية”
وإذا ما كان الفكر الشيعي السياسي ينطلق من المظلومية التاريخية، واستدعاء المأساة الكربلائية، فإن قدراته على التحشيد عالية، لكن الهيرراكية الدينية إنعكست على السياسي، فبرزت انضباطية المقاتلين الشيعة في مجموعاتهم مثل حزب الله، أو الفصائل العراقية المسلحة، وهنا ضروة الإشارة في الانضباط، لا يعني أن تلك المجموعات لم تتورط في استهداف المدنيين، أو ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، بل في مبدأ الطاعة الكاملة للقيادة، ولعل في استذكار مفاتيح الجنة التي كانت تهدى من الخميني لمقاتلي الجيش الإيراني إبان الحرب العراقية-الإيرانية، ما يشير إلى تلك الطاعة والارتباط بالقيادة أياً كانت، طالما هي شرعية بنظرهم.
ويبدو من مراجعة سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية، رغم أنها شملت المجموعات القيادية الفلسطينية، بكافة فصائلها، فإن عملياتها ضد إيران، والفصائل المرتبطة بها (تحديداً حزب الله)، تعلي في أهمية استهداف القيادات. وبالتالي، فإن الهيراركية الشيعية، تفسر غياب ردود الفعل العنيف الفردي، أو محدوديته، لأن الجهادية الشيعية تختلف عن الجهادية السنيّة في مركزية القرار، والتعبئة المنظمة المنطلقة من المظلومية التاريخية.
وأخيراً..
اليوم في غياب مؤشرات واضحة عما يمكن أن يحدث للنظام في إيران، استبداله، أو تغييره من الداخل، أو الذهاب إلى الفوضى، لكل سيناريو تأثيره في المجموعات المسلحة الشيعية، تدور في السيناريوهين الأخيرين بفقدان القيادة، وتحول تلك المجموعات إلى مجموعات أصغر تتبع ذات النمط المتسلسل للقيادة، وكله هذا نابع من طبيعة بنية الشيعية السياسية.
كل هذا لا يعني أن العنف لن يكون مكثفاً وحاداً لكن نمطه انتشاره مختلف عن الجهادية السنية، فالجهادية الشيعية انخرطت في أعمال عنف ضد مدنيين، وأيضاً في عنف طائفي لكن عنفها بقي مشدوداً دوماً إلى القيادة، وهذا يضعف الفاعلية الفردية التي يمتلكها الجهاديون.





