خمسة أسئلة عن استراتيجية تنظيم ما يعرف بـ"الدولة الإسلامية"
التنظيم يستعير من أعدائه الجهاديين، القاعدة، استراتجية الشبكات اللامركزية، وتتحرك عبر واجهات ضعيفة لحين تصعيد الخطاب الطائفي، وإعادة بناء الشبكات والحاضنة الاجتماعية
قبل أحد عشر عاماً تقريباً، حين كان العالم مشغولاً بصعود التنظيم الدموي الجهادي، الذي يعرف بالدولة الإسلامية، دعيت إلى حوار مغلق في جامعة أكسفورد مع نخب مختصة في شؤون المجموعات المسلحة من أنحاء العالم.
النقاش الذي استذكره كثيرون آنذاك، كنت طرفاً فيه، وحينها كان الصراع بين تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة (وجبهة النصرة في سوريا تحديداً) في أوجه.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر الواتساب: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
وجهة نظري التي خالفني فيها كثير من الحضور من الخبراء، أن القاعدة، كفكرة وأيديولوجية تحديداً، ستصمد أمام التنظيم الشرس الذي يمثل اليمين الأقصى في الحركات الجهادية، بحكم أن تلك الإيديولوجية تحمل “الشرعية الجهادية“ وتمتلك قدراً كبيراً من البراغماتية، مقارنة بتنظيم الدولة.
المعارضون، وقد تشددوا في موقفهم، جعل الحضور يستذكر ذلك الحوار، حيث قالوا: إن التنظيم وبحكم الموارد التي يمتلكها سينهي القاعدة.
منذ ذلك الحين، امتد نفوذ تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية في مساحة تجاوزت مساحة بريطانيا، شملت العراق وسوريا، وعمد إلى تنفيذ عمليات في كافة أنحاء العالم، وجذب الآلاف من الشبان من العالم، وعملياته الوحشية باتت علامة مسجلة، وكادت فكرة الفريق الثاني في جامعة أكسفورد تتحقق، لكن التحالف الدولي، وبمعركة مفتوحة، وضربات قوية لمعاقل التنظيم في الرقة، وكوباني، ودير الزور…إلخ، هزم التنظيم ودفعه لينشط على أطراف ما يعتبره “قلب العالم الإسلامي“، في أفريقيا، وآسيا الوسطى-أفغانستان.
شاهد للحكّاء: هجوم استراليا والذئاب المفردة
وبالمقابل، استطاعت أيديولوجية القاعدة، المتحولة، ومن المؤكد بجهود آخريين، إسقاط نظام عائلة الأسد في سوريا في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وبات فصيلها الأبرز، جبهة النصرة، ولاحقاً هيئة تحرير الشام، حكام دمشق الجدد، لا بل وكان من شروط إعادة موضعتها في النظام الدولي والإقليمي الجديد، هو محاربة أعداء الأمس تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية.
الخلاف بين جناحي الحركات الجهادية وصل مرحلة القطيعة والحرب المفتوحة، وكانت ساحته سوريا، وباتا مشروعين منفصلين، لكن الجذور الأيديولوجية تعاود الظهور لدى الطرفين بين الفينة والأخرى.
تعددت الجبهات التي كان تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، يقاتل عليها (التحالف الدولي، والفصائل الجهادية الأخرى، إيران وحزب الله، والأنظمة العربية…إلخ)، وبالتالي فإن سقوط الأسد، استتبع بالتالي تحييد معظم الأطراف التي كان يقاتلها، مما دفع التنظيم إلى إعادة التفكير بالعودة إلى المنطقة، لكن بشبكات معدومة أو ضعيفة، وفي ظل نموذج مضاد منتصر.
وما صعب الأمر أمام هذا التنظيم، حرب غزة، حيث زادت في الشوارع العربية شعبية المجموعات القريبة من إيران (حماس، وحزب الله، والحوثي) بحكم مناؤتها لإسرائيل، وتلك المجموعات يكن لها التنظيم العداء تاريخياً.
ولتجاوز تلك الصعوبات، اتبع التنظيم استراتجية، استعارها من تنظيم القاعدة.
ما هي تلك الإستراتجية التي وضعها تنظيم القاعدة؟
من الشعارات التي طرحها، زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، “لا تشاور أحداً في قتل الأميركيين“، بغية تثوير الشباب العربي-المسلم وتنفيذ عمليات فردية، عبر تشكيل شبكات لا مركزية، وقد عاد لاحقاً، إلى مأسسة تلك اللامركزية حين دعا إلى خلق فروع للقاعدة في العراق، والصومال، والمغرب العربي، واليمن وغيرها حتى باتت هناك فروعاً تحتفظ بالاسم لكن دون صلات تنظيمية واضحة، Franchising بلغة البزنس.
في ظل النقاش بين الموارد والشرعية بين القاعدة/الدولة، كان الاقتصاد السياسي يطل برأسه، فإدارة محافظة مثل الأنبار تكلف نحو المليار دولار، بينما كلفة تحريض جهادي على عملية فردية متدنية جداً وتحقق تأثيراً إعلامياً كبيراً وتنشر الرعب.
لكن الفكرة الجهادية مسكونة بحلم “الدولة الإسلامية“، وإن رأت القاعدة نفسها “الطليعة المقاتلة“ لتمهيد الطريق لها، فإن قيادات تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية أعلوا من التغلب والسيطرة المكانية لتحقيقها. كلا الطرفين يرى تأسيسها بالقوة المادية والعنف.
اللجوء للشبكات اللامركزية في حال تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، أخطر، من لجوء القاعدة لها، والخطورة هنا، معيار تحليلي فقط، فالقاعدة تعتمد أسلوباً انتقائياً في التجنيد، ولم تكن تضم في صفوفها إلا بعد أن يجتاز الفرد التقييم الديني والأيديولوجي قبل العملياتي، أما تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية فأعلى العملياتي على الايديولوجي، وهو ما يفسر انضمام الكثير من غير المتدينين للتنظيم، خاصة من ذوي الخلفيات الإجرامية.
وإن كان هذا لا يعني، بأن العنف الذي مارسه تنظيم القاعدة، كان أقل ضراوة وإيذاءً،. لكن قابلية استدراج تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية للعنف غير المنضبط أعلى وهنا تكمن خطورة لجوئه للعمليات الفردية والشبكات اللامركزية.
ما هي العمليات التي نفذها التنظيم أو المتأثرين به ضمن سياق تلك الاستراتجية؟
منذ السابع من أكتوبر عام 2023 ، نفذ التنظيم، وأفراد متأثرون بأديولوجيته، عمليات محدودة، لكنها مؤثرة، وإذا ما لوحظ أدناه أن عمليات قليلة تبناها التنظيم بوضوح (اللون الأحمر)، في مقابل اتساع الهجمات التي ألهم التنظيم منفذيها بلا تبنٍّ مباشر.
(عمليات تنظيم الدولة المتبناة والملهمة منذ السابع من أكتوبر )
🟥 يناير 2024 - كرمان (إيران) - ضريح قاسم سليماني (تفجيران انتحاريان – تبنٍّ مباشر من تنظيم الدولة الإسلامية)
🟥 آذار 2024 - موسكو (قاعة كروكوس) - (هجوم انغماسي – تبنٍّ مباشر)
🟧 حزيران 2024 - داغستان (معابد يهودية ومسيحية) (هجوم منسق) دون تبنٍّ (إلهامي)
🟥 تموز 2024 - مسقط (سلطنة عُمان) - (عملية انتحارية – تبنٍّ مباشر)
🟧 حزيران 2025 - دمشق (الدويلعة – كنيسة مار إلياس) (عملية انتحارية – تبنٍّ من جهة ذات صلة - سرايا أنصار السنة)
🟧 أكتوبر 2025 - مانشستر (كنيس يهودي) (هجوم/مخطط – دون تبنٍّ (إلهامي)
🟧 ديسمبر 2025 - بوندي (أستراليا) هجوم وُصف بأنه متأثر بدعاية التنظيم - دون تبنٍّ (إلهامي)
🟧 ديسمبر 2025 - تدمر (سوريا) - (مقتل جنديين أميركيين – منسوب أمنياً -دون تبنٍّ)
🟧 ديسمبر 2025 - حمص (مسجد علي بن أبي طالب) (تبنٍّ من جهة ذات صلة - سرايا أنصار السنة)
بينما مثل هذا الرسم، في أفريقيا، مليء باللون الأحمر.
ما الجديد في هذه العمليات؟
الجديد أن التنظيم لم يتبن معظمها بشكل مباشر. في افتتاحية النشرة الأسبوعية للتنظيم المعروفة بـ “النباً“ بتاريخ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025 أشار إلى أنهم لم يجندوا منفذ هجوم أستراليا، ولا مانشستر، ولا تدمر رغم “بعض التواصل على الانترنت“، بل تم التمليح إلى تلقيهم لـ “شيفرة جهادية هنا أو هناك عربية أو معربة“، كأسلوب عمل جديد. وبالتالي فإن التنظيم يعزز فكرة الدور الإلهامي الذي يمارسه.
وهذا يعد تحولاً كبيراً لدى تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، المسكون بفكرة الدولة وتراتبيتها، وقد أشار إلى ذلك بشكل مباشر في واحدة من افتتاحية نشرته الأسبوعية “النبأ“ (يوليو/ تموز 2024)، داعية إلى مزيد من العمليات الفردية: “ليست البيعة ارتباطات تنظيمياً بقدر ما هو ارتباط ديني شرعي، ولذلك كم من الناس منا، وليسوا بيننا، لم تجمعنا بهم صلات إدارية”.
أسلوب عدم التبني المباشر اتخذ طابعاً، مختلفاً في الحالة السورية، على شكل واجهة غامضة. تنظيم “سرايا أنصار السنة“ في سوريا، تبنى عدد من العمليات في سوريا، وأشار في آخر بياناته إلى قربه من تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، دون الارتباط المباشر به.
قد يجمع المتابعون أن تنظيم “سرايا أنصار السنة“ لا يعدو أن يكون واجهة للتنظيم، ورغم البيانات الركيكة، وأسلوب الإعلام المختلف عن اسلوب تنظيم ما يعرف بالدولة الأسلامية، فإن الأخير يقصد وجود مثل هذه الدينامية كي يلعب دور “المخلص“ كما فعل في العراق عام 2014 حين توسع في مناطق عدة أهمها الموصل، والفلوجة، والرمادي بإسم الاستجابة لمظالم السنة في العراق، مذكراً بفشل أو إفشال ساحات الاعتصام السنية التي كانت عبارة عن تظاهرات في المنطقة الغربة ذات الأغلبية السنية تشتكي من المظالم المحلية، وتستلهم طروحات الربيع العربي عام 2011.
لماذا يلجأ التنظيم إلى واجهة دون أن ينسب العمليات لنفسه؟
يريد التنظيم استغلال الجوانب الضعيفة في المجتمع، وفي الحالة السورية الشعور بالظلم لغياب خطوات عملية للعدالة الانتقالية، ووجود حالة التوتر الطائفي (زرت حمص في مايو 2025، وحال التوتر تلحظه في مناطق التماس السنية-العلوية في المدينة) التي يسعى التنظيم على تذكيته، مرسلاً عدة رسائل:
النظام الجديد عاجز على المواجهة الطائفية - وهذا يفسر تكرار التنظيم بتكفيره براغماتية الشرع “يهدمون الشرع بالشرع“ بالإشارة إلى الرئيس الانتقالي السوري، الجهادي السابق أحمد الشرع.
التنظيم الأقدر على إدارة الصراع الطائفي، وهو يذكر أنه خارج مقتضيات الدولة المعاصرة التي يسعى لتأسيسها الشرع، ويلاحظ أن كل هجمات التنظيم تحمل طابعاً طائفياً.
مخاطبة القاعدة الاجتماعية المحافظة داخل المشروع الجدد في سوريا، ومنهم المنخرطون في الأجهزة الأمنية والعسكرية، أن نظام الشرع لا يلتزم، وبالتالي إظهار “سرايا أنصار السنة“ يعبر عن تلك الفئة التي تبحث عن الغطاء الذي يقدمه التنظيم.
وهذه الرسائل تهدف الى تصعيد الصراع الطائفي، وبالتالي استقطاب حاضنة اجتماعية جديدة تتيح لها بناء شبكاتها لإعادة الانتشار والتحرك في “قلب العالم الإسلامي“، كما يصف الجهاديون المنطقة العربية.
ماذا عن تأثير حرب غزة وماذا يريد التنظيم؟
يلاحظ أن عمليات استهداف اليهود في مانشستر وشاطئ بونداي في سيدني، تحمل نمطاً، متكرراً أن المهاجمين، ألهموا بتنظيم الدولة لكن، لم يتبن تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية هجومهم، كما أنهم أكبر سناً من منفذي هجمات الجهاديين1 بشكل يشير على طابع التنظيم أنه المظلة العامة، وأن أيديولوجيته قادرة على الانتقام والتأثير، وهنا يبرز التنظيم نفسه مقاتلاً من أجل الانتقام لأهل غزة، لكنه يرفع من وتيرة الصراع ويمنحه بعداً دينياً.
في التعليق على هجوم بونداي، يقول التنظيم: “وكان من جملة المزايدات على تلك الهجمات العابرة للحدود أنها لا تستهدف اليهود، فلمّا وقعت مذبحة اليهود في أستراليا على أيدي الثنائي الفريد، ازدادوا طعنا وفجورا وتخوينا”.
ويقول التنظيم إنه بانتظار الفرصة “ليلتحم“ في محاربة اليهود، ويربط نفسه بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لأهميته في الشارع العربي الإسلامي، مع أنه في الوقت ذاته، يؤكد على أن هذا الصراع هو جزء من صراع ديني أوسع، وبالتالي ليس مركزياً، بغية ضرب المجموعات المسلحة الإسلامية المحلية القريبة من إيران.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر تيلغرام: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
تلك المجموعات مجموعات وطنية، وهذا ما يختلف عن مشروع تنظيم الدولة الإسلامية، فقد بقي طوال حرب غزة لا يشير لها إلا بشكل طفيف، رغم انشغال العالم العربي فيها، وتزايدت معدلات الإحباط العربية من المقتلة البشرية الإسرائيلية في غزة، ونسب تأييد حماس والمجموعات القريبة من إيران، كان بإزدياد.
لكن تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية انشغل باستهداف روسيا، ومن ثم إيران التي تحسنت صورتها عربياً بسب حربها المتوقعة مع إسرائيل آنذاك، ومن ثم ضربت في مكان غير متوقع، ولم يكن في رادار الجهاديين، سلطنة عمان، التي شهدت حركة تأييد واسعة لفلسطينين خاصة لدى المؤسسة الدينية الإباضية، وبالتالي قررت تنظيم الدولة التذكير بأن حربه سنية، إسلامية لا تقف عن الحدود الوطنية.
وعن ذلك يقول التنظيم في إحدى افتتاحياته: “نخاطب الذين يقيسون الحق بقتال اليهود دون غيرهم! ويزكّون الأفراد والجماعات تبعا لذلك؛ في لوثة وطنية أُشربتها قلوبهم وأَلبسوها -غصبا- عمامة وثوبا قصيرا، ويظن هؤلاء أنه بمجرد مهاجمة اليهود، فإن الناس سيصفّقون لهم ويرضون عنهم ويلتحقون بهم”.
وهذه الرسالة التي يقدمها تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية واستراتجيتها الجديدة، أن خطها هو الأصح وفقاً لإيديولوجيتهم، التي تستجيب لحل الأزمات التي تمر بها المنطقة، بالعنف، وبالتالي تسعى للاستفادة من الضعف العسكري الذي أصاب المجموعات الإسلامية المسلحة (القريبة من إيران)، بأن البديل لمشاريعهم هي ما تصفه بـ “الدولة الإسلامية“.
خالد مسعود منفذ هجوم ويستمنستر في لندن كان استثناءً أيضاً حيث تجاوز عمره الـ 52 عاماً حين نفذ الهجوم عام 2017 بسيارته فقتل أربعة أشخاص دهساً وأصاب أكثر من خمسين.








