مستقبل حماس بعد الـ7 من أكتوبر: استشراف من وحي التجربة الشيشانية
يمكن للحركات المسلحة أن تنتهي... كما يخبرنا التاريخ المليء بالأمثلة؛ وهنا المثال الشيشاني من تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، حتى لو استمرت الفكرة وراء تأسيس تلك الحركات.
في عام 2016، وضمن عملي الصحفي، التقيت مجموعة من المقاتلين الشيشانيين، في مدينة تركية. كان قائد المجموعة “المرعب” صاحب مشية بطيئة، ووزن زائد، ولحية شقراء ممتزجة بالشيب.. كانت تلك مواصفات دفعتني للتأمل في مصائر الحركة الاستقلالية هناك.
ذات الشخص الذي كان يوصف يوماً بأنه “مرعب روسيا“ في قطاع كامل من أراضي الشيشان لسنوات طويلة، ويتبعه مئات المقاتلين الأشداء، وذا شعبية عالية بين أوساط الشيشانيين.. التقيته وقد أضحى رجلاً تسبقه سنواته، وبالكاد يعرفه جيرانه، ويتخفى خوفاً من استهدافه من قبل روسيا، التي عمدت على ذلك في تركيا لسنوات ضد من كانوا قيادات في الحركة الإستقلالية الشيشانية.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر الواتساب: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
حكاية تعيدنا سنوات للوراء، لتتيح لنا فحص مقولات باتت تُعامل كمسلمات حول حماس ومستقبلها، بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب دموية شنتها إسرائيل وأودت بحياة عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين.
ولنقوم باستشراف أحد السيناريوهات المحتملة لمصير حركة حماس بناءً على التاريخ، نعود إلى السابع من آب/ أغسطس عام 1999…
حينها وصلت الأزمة في جمهورية الشيشان مداها. كان الرئيس الاستقلالي المنتخب أصلان مسخادوف يواجه ضغوطاً من التيار الإسلامي، بعد أن نسج السلفيون-الجهاديون تحالفاً، مع يمين التيار القومي الذي كان يقوده القائد الميداني شامل باساييف.
على رأس التيار السلفي-الجهادي كان القائد السعودي الأصل خطاب. الأزمة الاقتصادية كانت تعصف بالجمهورية المستقلة حديثاً بعد أن هزمت روسيا هزيمة مذلة عام 1996 بعد سنتين من حرب بدأت من عامين، والفوضى الأمنية بدأت تتفاقم، بشكل تفلت فيه الأمور من يدي مسخادوف.
اقرأ للحكّاء: الدوحة بين اغتيال ياندرباييف الشيشاني واستهداف قيادة حماس!
بالمقابل كان تحالف الجهاديين والقوميين، في مأزق بسبب ضغوط حكومة مسخادوف، فعمد التحالف إلى توسيع المعركة بالدخول إلى منطقة بوتليخ المجاورة في داغستان لـ “نصرة الإسلاميين الذين يريدون تأسيس دولة قائمة على الشريعة“، ومنها بدأت روسيا حربها الثانية في الشيشان في غضون سنوات خمسة، لتلحق بتفجيرات عمارات في موسكو، ويتهم بها المقاتلون الشيشان، ويبدأ الرئيس القادم من الكي جي بي فلاديمير بوتين (رئيساً للوزراء آنذاك)، رحلته لسدة الحكم، وتدمير الشيشان في حرب حصدت عشرات الآلاف (نحو 150 ألفاً وفق تقديرات الشيشانيين).
حين ألقي اللوم على التيار القومي-الجهادي آنذاك، بأنهم أضاعوا فرصة الاستقرار النسبي، لا بل والاستقلال، وجروا الشيشانيين إلى الحرب، كانت الإجابة بأن روسيا كانت تستعد لدخول الحرب بكل الأحوال. هذا لم يثبت وإن كانت موسكو قبلت على مضض استقلال الشيشان.
ذات المقولة، استُخدمت لإجابة منتقدي حماس بشأن هجوم السابع من أكتوبر 2023.
بلى، هذه المقاربة، يجب أن تفهم في سياق اختلاف الظروف التاريخية، والجغرافية، والسياسية وغيرها، بين حالة قطاع غزة والشيشان… لكن الإجابة ذاتها، ولعل تفكيكها يساعد في التعامل مع ذلك الجدل العقيم عن النصر والهزيمة (رغم ضرورته في بناء السرديات)، لأن الموقف السياسي للفرد يفسر الحدث لمصلحة ما يراه.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر تيلغرام: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
اقرأ للحكّاء: اغتيال الملثم: ما السيناريوهات المتبقية أمام القسام؟
إضافة إلى تلك السردية، هناك مقولة، تستدعي التجربة الشيشانية أيضاً، وهي: “حماس فكرة، ولا يمكن هزيمتها”.
من وحي التجربة الشيشانية هناك مثال “إمارة القوقاز الإسلامية“، وحتى الحركة الإستقلالية القومية، اللتان انتهتا، بشكل كبير، وإن لم يكن بشكل كامل، أو اتخذت أشكالاً مختلفة.
منذ أن شنَّ بوتين حربه الثانية في الشيشان، عمد إلى سياسة تُسمى بالروسية بـ зачистка (زاتشستكا) أو “الكنس أو التطهير بالمصطلح السياسي“، بحيث ازدادت وتيرة القصف الروسي، وبدأت عمليات اعتقال لكل الرجال بين سني 16-60، وخضعوا للتعذيب الممنهج، ولعل المتابعين يذكرون صور شبان الشيشان المربوطين على أطراف دبابات ويسحلون في الشوراع المدمرة، أو صور القبور الجماعية، أو صور شبان أو جثثهم المكومة على ظهور سيارات نقل كبيرة.
ورفعت موسكو من نشاطها الاستخباري، وبدأت بعمليات اغتيال للقيادات الشيشانية، بدءاً من خطاب، زيلمخان ينادرباييف، وأصلان مسخادوف، وشامل باساييف، وغيرهم.
اقرأ للحكّاء: السلفيون-الجهاديون يحكمون لأول مرة
وفيما ازداد الضغط على المقاتلين الشيشانيين، وبالتوازي مع السياسية الروسية في استهداف القيادات، اتخذ الطابع الإسلامي إطاراً لمن تبقى منهم، فتأسست “إمارة القوقاز الإسلامية“، بأجندة إسلامية، لعلها تجذب التمويل، وتستطيع تغيير تكتيكاتها، فلجأت إلى أنماط جديدة في عملياتها كاستهداف القطارات، والتفجير في أماكن داخل روسيا، واحتجاز الرهائن... إلخ.
وكان الهدف من تأسيس المجموعة، توسيع هوية المجموعة لتشمل شمال القوقاز كله، رغبة في تثوير شعب المنطقة مع الشيشان.

فيما عمدت روسيا إلى تنصيب حكومة موالية، مستغلة الشرخ المتزايد داخل المجتمع الشيشاني. واستطاعت أن تضرب الحركة الإستقلالية، وأن تضرب شبكات الإمارة (وهي بالمناسبة مجموعة محلية مسلحة وإن كانت إسلامية)، ولم تبدأ بالتفكير بالانضمام إلى القاعدة ومجموعات الجهاد العالمي إلا بعد 2010، مع ضعف مواردها، ولم تقبلها القاعدة آنذاك.
اقرأ للحكّاء: لندن-ستان 7/7: سوريا كانت محرقة للجهاديين البريطانيين
بعد ذلك بدأت روسيا باستهداف شبكاتها، عبر الحكومة الموالية الجديدة، وصارت عمليات مكافحة الإرهاب، عنواناً أساسياً، أضعف المجموعة وبدأت قياداتها بالخروج من الشيشان، ومنها إلى تركيا، حيث التقيت بعض قياداتهم، كما أسلفت.
وتوزعت الحركة الاستقلالية الشيشانية، بين من ذهب للقتال في سوريا، ومن بقي لاجئاً في أكثر من دولة، ومنهم من كانوا مقاتلين، باتوا ينشطون اجتماعياً وإعلامياً في أوساط ضيقة، والكثير من التيار القومي انتهى في أوكرانيا يقاتل ضد روسيا، وضد إخوتهم الشيشانيين ممن جندتهم موسكو للقتال ضد أوكرانيا، من المواطنين التابعيين للحكومة الموالية بقيادة أحمد قاديروف، الذي يحكم الجمهورية حاكماً منفرداً مرعباً، وبدعم مباشر من بوتين بطبيعة الحال.
هذه التفكيك، جرى رغم أن الحركة المقاتلة في الشيشان، كانت حركة تحرر، ولها عمق اجتماعي كبير.
اقرأ للحكّاء: أبو شباب: مشروع إسرائيلي في غزة، لكن المأزق أعمق
اليوم، وبعد اتفاق إسرائيل وحماس على المرحلة الأولى من وقفٍ لإطلاق النار بوساطةٍ أميركية وفق خطة الرئيس دونالد ترامب، فإن حماس التي خسرت معظم قياداتها، وضُربت قدراتها العسكرية بشكل كبير، ودُفعت إلى التفاوض، مع قبول الفواعل القريبة منها بإمكانية انتهاء دورها السياسي في قطاع غزة، فإن الحركة من المؤكد ستخضع لمراجعات عميقة. وفي هذا السياق، أشارت حماس، إلى انفتاحها على أن تُدار غزة عبر سلطة تكنوقراطية فلسطينية مرتبطة بالسلطة الفلسطينية، بدلاً من إدارة الحركة نفسها.
وقد يكون من المفهوم أن المقولات التي انتشرت كمسلمات بين أوساط المؤيدين لها، أو حتى الغاضبين من المقتلة البشرية في غزة حتى لو لم يؤيدوا الحركة، فإن ركون حماس لتلك المقولات السردية، لن يفيدها في إجراء مراجعات حقيقية، ولعل التجربة الشيشانية فيها الكثير من التشابهات.








