السلفيون-الجهاديون يحكمون لأول مرة
تحقيب تاريخ الحكم السياسي المعاصر الحكم في سوريا
السلفيون-الجهاديون يحكمون لأول مرة داخل الدول العربية؛ في سوريا.
لا بل إن الإدارة الأميركية عمدت إلى رفع العقوبات عن “هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة” سابقاً، أحد أقوى أذرع تنظيم القاعدة في حقبة ما بعد الربيع العربي. تنظيم القاعدة هذا شكل بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أحد أخطر تحديات الأمن القومي الأميركي، لا بل شنت بسببه حرباً، كانت لأول مرة (من حيث الحجم) ضد تنظيم مسلح (فواعل اللادولة)، ومن حيث نوع العدو، ضد تكتيك “الإرهاب”.
ولكن بمشهد الفلاش باك، نعود إلى مشهد استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للرئيس السوري للفترة الانتقالية أحمد الشرع، في العاصمة السعودية الرياض، في الرابع عشر من مايو/آيار 2025.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر الواتساب: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
هذا المشهد، سيكون من الصور المفارقة في التاريخ العربي المعاصر، ويعبر عن صورة تاريخية بامتياز.
الشرع، الذي عرف بكنيته الجهادية “أبو الفاتح محمد الجولاني“، ومن ثم بأبي محمد الجولاني، هو أحد الشخصيات الأساسية في المشهد الجهادي، خاصة منذ اندلاع الثورة السورية التي انتهت باسقاط نظام بشار الأسد بعد أربعة عشر عاماً، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.
أن يلتقي رئيس دولة، جعلت من مواجهة التيار السلفي-الجهادي، واحدة من الخطوط الراسمة لاستراتيجيات الأمن القومي، منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001، حين نفذ جهاديو تنظيم القاعدة، واحدة من أكبر العمليات ضد واشنطن في التاريخ المعاصر، يعبر عن تلك المشهدية.
للحكّاء أيضاً: لندن-ستان 7/7: سوريا كانت محرقة للجهاديين البريطانيين
جعل الأميركيون، منذ ذلك الحين، نصب أعينهم مطاردة هذا التيار. في مقابل الجهاديين، الذين بنوا أساس وجودهم على مواجهة “رأس الأفعى“، كما يصفون أميركا والغرب، في إطار هدفهم الكبير في سبيل “الدفاع عن الأمة“، و”تأسيس الدولة الإسلامية”.
التمكين التدريجي
الجهاديون في الحكم الآن، رغم الجدل القائم اليوم بين تيارين، أحدهما يرى أن الحكام الجدد في سوريا، تغيرواً ويتعاملون بشكل براغماتي، وهذا ما دفع أحد منظّري السلفية-الجهادية، أبو محمد المقدسي، إلى نقد أحمد الشرع تدريجياً حتى وصل لتكفيره.
في مقابل تيار جهادي، يرى أنَّ الحكام الجدد، إزاء فرصة تاريخية، لتأسيس حكم إسلامي، طالما كان حلم هذه المجموعات، وترى أن “التحالف الغربي مع الأنظمة الحاكمة عربياً“ سبب عدم نجاح هذا المشروع، وبالتالي، يرون أن هذه فرصة تاريخية يجب أن تدعم، بالتمكين التدريجي، ولعل أشهر من يعبر عن الإتجاه الثاني هو، أبو قتادة الفلسطيني.
اقرأ للحكّاء أيضاً: أبو شباب: مشروع إسرائيلي في غزة، لكن المأزق أعمق
أما أبو محمد المقدسي، فقد وُصف مرة بأنه أكثر منظري الجهاديين تأثيراً، وأنه الأكثر اقتباساً في منشورات الجهاديين، وما زال صوتاً مسموعاً بين أوساط الجهاديين، في مناطق مختلفة. وأما رفيقه أبو قتادة الفلسطيني الذي عاد إلى الأردن بعد معركة قضائية طويلة مع الحكومة البريطانية، فيوصف بين أوساط أنصاره بـ “فيلسوف الحركة الجهادية“. وقد تزايدت الخلافات بين الطرفين مؤخراً بحكم المواقف، وحتى الشخصي، حسب البعض، ولعل الموقف حول سوريا، هو آخر فصول هذا الخلاف.
للحكّاء أيضاً: لماذا طُلب من قيادات حماس في الدوحة تسليم سلاحهم؟
الخطاب السائد الآن بين أوساط “القاعدة الصلبة“ لجهاديي سوريا، الذين انتقلوا مع الجولاني في رحلته حتى أصبح الشرع، وفي رحلة انتقال “جبهة النصرة“ إلى “هيئة تحرير الشام”، إلى السلطة في دمشق، هو الأميل لفكرة، الترجمة في التمكين، وهو ما يدافع عنه الفلسطيني. مثل هذا الخطاب حاضر لدى الكثير من المقربين للحكم الجديد، ممن تحدث إليهم الكاتب، ويرون أن قناعة الناس بـ “مشروعهم“ ستتعزز مع مضي الأيام ونجاعة سياساتهم.
هذا التصور ليس بالضرورة يؤمن به الشرع ونخبته الحاكمة، وبالتالي هو مصدر صراع محتمل بين إخوة السلاح (انظر الأجزاء التالية لهذه المقالات).
دولة ما بعد الإستقلال
هذا الوجود، إذاً واقع، وبمنطق تحقيب التاريخ العربي المعاصر، لدولة ما بعد الاستقلال، نجد أن الأيديولوجيات المختلفة حكمت الدول العربية تلك.
درجت الدراسات الأكاديمية على تقسيم الأنظمة العربية المعاصرة بين ملكية وجمهورية، وكان التقسيم مدعاة لحرب عربية باردة بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بين أنظمة “رجعية” و”تقدمية“، وقد شملت أشكال الحكم المتعددة، الدول الجمهورية بطبيعة الحال، فحكمت الأيدولوجية الناصرية مصر (ودولاً أخرى) 1953-1970، قبل أن تتحول مصر إلى المعسكر الغربي مع الرئيس أنور السادات، ويتعمق مع حسني مبارك.
وفيما كان الرئيس العراقي عبد السلام عارف عروبياً، لكنه مهد لحكم البعث الذي حكم العراق حتى عام 2003 عبر أحمد حسن البكر، ومن ثم الرئيس الأشهر صدام حسين، وكذلك كانت سوريا التي آلت إلى الايديولوجية البعثية على يد حافظ الأسد ويستمر الحكم فيه وفي ابنه 54 عاماً.
الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، كان أقرب للماركسيين، وقد حكم العراق بين 1958-1963، وكذلك حكم هؤلاء في اليمن الجنوبي 1967-1990. كما أن إيديولوجيات حكام سوريا الكثر التي تميزت بتعدد الإنقلابات فيها، بعد العهد الفيصلي، وبعيد دولة الاستقلال 1941، تنوعت بين القومية، واليسارية، وكذلك القريبين من “الحزب السوري القومي الاجتماعي“، مثل أديب الشيشكلي وسامي الحناوي، لحين سيطرة حافظ الأسد على الحكم فيها.
اقرأ للحكّاء أيضاً: خمسة أسباب ستمنع العواصم العربية من الاحتفال بسقوط طهران
أما الإسلاميون، فكان حكم جعفر النميري ولاحقاً حكم عمر البشير وتحالفه مع الشخصية الإسلامية الدكتور حسن الترابي، نموذجاً على وصل الإسلاميين للسلطة، الذي استمر بين 1989-2019، متخيلاً طبعا الافتراق بين الشخصيتين.
وبرز التعبير الأوضح لحكم الإسلاميين بوصول الإخوان المسلمين الحكم في مصر بعد الربيع العربي برئاسة محمد مرسي.
ومن الضروري الإشارة إلى أن القبول الإقليمي والدولي لعبا دوراً أساسياً في تثبيت تلك الانظمة، وبدرجات مختلفة، لكن كانت بناء التعاضد الاجتماعي وخلق طبقة حاكمة داعمة للنظام عاملاً رئيسياً في تثبيت السلطة.
تميعت الأيديولوجيا مع الربيع العربي، لصالح مفاهيم الحرية، والحكم الرشيد، وحقوق الإنسان، لكن بالمقابل، استمر السلفيون الجهاديون، لا بل وجدوا في الربيع العربي فرصة جديدة، بالتحول نحو أيديولوجية أكثر تشدداً (كما هو حالة تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية)، أو إعادة الاعتبار للشارع كما هو الحال مع تنظيم القاعدة ولاحقاً جبهة النصرة، وما تلا ذلك في سوريا.
وبالتالي، فإن حكم السلفيين-الجهاديين، وإن بنسخة معدلة، ليس أمراً طارئاً عربياً، خاصة وأن دوله تدور بينها الإيديولوجيات تباعاً، ولكن يبقى أن نشير إلى أن الحكم الذي ينتهجه هؤلاء، والطابع الديني للحكم لم يكن ليقبل إقليمياً (رغم لا ديمقراطيته)، ولا دولياً بمنطق الفصل بين الديني والدنيوي السائد، وبحكم التجربة السيئة لحكم السلفيين-الجهاديين في المناطق الصغيرة التي سيطروا عليها (العراق، وسوريا، والصومال، وأفغانستان، واليمن، والشيشان، في حقب مختلفة)، لكن اليوم، هناك توجه عالمي لدى الرئيس ترامب بأن تترك الشعوب أن تحكم كما تريد، طالما لا تضر بالمصالح الأميركية.
طبعاً هذا الموقف الأميركي، لاقى معارضة داخل مؤسسات الحكم الأميركية، التي انقسمت بين من يرون بإعطاء الشرع ورفاقه، فرصة عبر التدرج بالاعتراف، ورفع العقوبات المفروضة على البلاد، ووفقاً لاستجابتهم للشروط المطروحة، من قبيل تحديد وضع المقاتلين الأجانب (وقد تم دمج معظمهم في مؤسسات الدولة بمعرفة أميركية)، والتخلص من ترسانة الاسلحة الكيمائية، والانخراط في مكافحة تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية، وهذا للحكم الجدد في سوريا باع طويل وعداء راسخ فيها، ومع طبعا معالجة إشكالية حقوق الأقليات، ومرافقة شكل الحكم القادم. وفي مقابل تيار، داخل الإدراة الأميركية، رفض التعامل مع النظام الجديد في دمشق لحين إثبات أهليته في المجتمع الدولي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فاجأ الجميع برفع العقوبات في الرياض، في مايو/أيار 2025، وهذا المنطق الأميركي السائد اليوم، بترك أمر دول المنطقة لأهلها، تترافق، مع الكلفة العالية للصراع في سوريا، على الإقليم والعالم، مما جعل الترحيب الإقليمي والدولي، بالتحولات تلك كبيراً.
على ما سبق، فإن فهم سوريا اليوم، أو سوريا الجديدة، بكل الأسئلة المطروحة عنها، يكون، ابتداءً، بإدراك أن السلفيين-الجهاديين، هم من يحكمونها، وهم جزء من المجتمعات العربية، التي ستجرب الحكم، ولو لأول مرة، سواء أكان بنسختها المعدلة، أم المتواطئة لحين تمكنها، وهذا يثير الكثير من الأسئلة التي نأمل أن نحاول الاجابة عن بعضها.






