اغتيال الملثم: ما السيناريوهات المتبقية أمام القسام؟
بدأ الفصل بين السياسي والعسكري داخل حركة حماس مع فوزها في الانتخابات الفلسطينية 2006
كانت قد مضت شهور ستة، على مفاجأة حماس بفوزها في الانتخابات العامة الفلسطينية، عام 2006، حين ظهر “الملثم”، كما سيعرف لاحقاً وكما أريد له، بكوفية حمراء، وبلباس عسكري، وبلغة عربية سليمة بمخارج أحرف جلية، فيها صبغة التعليم الديني، ليعلن عن أسر حركة حماس، عبر جناحها العسكري “كتائب عز الدين القسّام“ جندياً إسرائيلياً هو جلعاد شاليط، الذي سيتحول رمزاً لأكبر صفقة تبادل للأسرى بين الحركة وإسرائيل بعد خمسة أعوام من ذلك التاريخ.
منذاك تحول أبو عبيدة -اسمه الحركي- إلى “الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسّام“، ويتحوّل بعد عشرين عاماً إلى رمز إعلامي، قد لا يكون أي من الناطقين بأسماء المجموعات المسلحة قد حقق هذه الشعبية.
شاهد للحكّاء أيضاً: لماذا طُلب من قيادات حماس في الدوحة تسليم سلاحهم؟
حكاية تثبيت نطاق باسم القسّام، جاءت قبل عامين من ذلك الخطاب المشهور، فقد كانت مجموعات مسلحة جهادية لا علاقة لها بحماس، تراجع أيضاً أداءها الإعلامي، وكانت هناك أسباب داخلية فلسطينية استدعت ذلك أيضاً، وكان عام 2004 عاماً فارقاً بهذا الخصوص.
في ذات العام قرر تنظيم القاعدة -التي كانت الولايات المتحدة تشن حرباً دولية ضده سمتها “الحرب على الإرهاب“-، الاعتماد على ذاته لنشر مقاطعه المصورة، دون الاعتماد على الإعلام التقليدي، كقناة “الجزيرة“، التي كان يرسل إليها الأشرطة، وذلك على إثر خلاف وقع بسبب رغبة أسامة بن لادن بث إحدى خطاباته كاملاً، دون أي اقتطاع، كان “رسالة إلى الشعب الأميركي“ قبيل انتخابات عام 2004، مخصصاً مكافآت مالية لمن يقتل سياسيين أميركيين وعراقيين.
الجزيرة، وحسب مصادر مطلعة، كانت قد أجرت بعض الاقتطاعات التحريرية، وهنا قرر أسامة بن لادن، استدعاء نصيحة من أحد الجهاديين القدامى، الذي قدم مذكرة بعد تفجيرات كينيا وتنزانيا 1989، تدعو إلى تخصيص “مؤسسات إعلامية جهادية” تحقق الانتشار الأكبر لما وصفه “الإعلام الجهادي“.
يمكنكم متابعة أحدث مدونات الحكّاء عبر الواتساب: اضغط هنا للوصول إلى القناة.
ولاحقاً تطورت هذه إلى منصات إعلامية جهادية بدأت من “مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي“، وصولاً إلى أذرع إعلامية باسم فرع التنظيم حول العالم.
التنظيم لم يطور ناطقاً باسمه بشكل مستمر، مستنداً إلى شخصيات تظهر وتخبو مثل سليمان أبو الغيث، وعطية الله الليبي (من حيث الظهور)، وباللغة الانجليزية الأميركي آدم جادان، لكن نمط القاعدة استند إلى شخصيات القيادات لتظهر عبر مؤسساتها.
لاحقاً، طور الانشقاق اليميني لتنظيم القاعدة، تنظيم ما يعرف بـ الدولة الإسلامية، محوّلاً نمط عمل الجهاديين من “الطليعة المقاتلة“، إلى السيطرة على “أراض وبقع جغرافية“، والتمثل بالدولة الوطنية الحديثة (وإن عارضتها) باستحداث منصب المتحدث باسم التنظيم/الدولة، وقد بدأ ذلك في العراق، بعد مقتل الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي (قتل عام 2006)، ولاحقاً كان من أبرز الأسماء المتحدثين باسم التنظيم: السوري أبو محمد العدناني (قتل 2016).
لا رابط، بين التنظيمين وحماس، إلا في البروباغاندا الإسرائيلية، لكن تلك الحقبة تمنح مؤشرات عن طبيعة النقاش داخل الحركات المسلحة في المنطقة.
اقرأ للحكّاء أيضاً: أبو شباب: مشروع إسرائيلي في غزة، لكن المأزق أعمق
الجعبري، كان قد بدأ بإعادة هيكلة كتائب القسّام التي تراجعت عملياتها الانتحارية، بفعل الضغط الإسرائيلي، الذي تحول نحو الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004، وذلك أيضاً بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، حيث باتت وصمة “الإرهاب“ تعزز الدعم لأي عمليات مضادة، فكانت الحاجة لتطوير وتغيير هيكلة القسام، التي بدأها الجعبري، ومن ضمن ذلك تخصيص جهاز إعلامي للجناح العسكري للحركة، خاصة وأن الفصل بين السياسي والعسكري سيبدأ بالترسخ مع فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية كما ذكر أعلاه.
أبو عبيدة الرمز
منذ ظهوره الرسمي الأول، بات أبو عبيدة يشكل وجهاً لتقديم كتائب القسّام، ورغم خطبه التي كانت تشكل جاذباً لكثيرين في المنطقة العربية، إلا أن دوره بعد السابع من أكتوبر عام 2023، بات متجاوزاً الحدود، باتت المناسبات الاجتماعية توقف للاستماع لخطبه، والأطفال باتوا يقلدون ملبسه وحركة إصبعه في نشاطاتهم المدرسية، وانتشرت صوره على أغطية الهواتف المحمولة وعلى جنبات السيارات… بات الرجل رمزاً.
رسائل أكاديمية كتبت عنه، وباتت خطبه تستدعي رداً اسرائيلياً، وتركزت تلك الخطب على تقدم القسام ومقاومته، والرسائل لإسرائيل، وحتى في دعوة الشعوب الإسلامية إلى النصرة ودعم غزة.
هذا الشكل بات يظهر أبو عبيدة كناطق رسمي باسم دولة ما، لدرجة أن معارضيه شبهوه بالداعي المصري أحمد سعيد الذي كان يبشر بنصر كبير ضد إسرائيل، بينما الأخيرة تنتصر، أو بالعراقي سعيد الصحاف الذي طالما بشّر الشارع العربي بـ “قطع ذيول العلوج“ إبان الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
اقرأ للحكّاء أيضاً: خمسة أسباب ستمنع العواصم العربية من الاحتفال بسقوط طهران
أبو عبيدة، وبعد السابع من أكتوبر، كان له دور وظيفي، في الحرب الإعلامية بين إسرائيل وحماس.
فبينما استدعت إسرائيل وجوهاً جديدة مثل ماشا ميكلسون، الطالبة الأميركية صغيرة السن، وألبستها الزي العسكري، لتصور شكل الضحية، أو زيادة دور الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر استخدام اللغة العربية الدارجة، والتحدي المتوافق مع الخطاب البسيط، والمستفز بطبيعة الحال لمشاعر الكثير من العرب والمسلمين، لكن كانت هذه صورة مضادة لأبي عبيدة، الذي شكل حالةً من القبول العربي الكبير، تمثل أيضاً في هتافات التظاهرات المنددة بالحرب الإسرائيلية في غزة من قبيل: “يا أبو عبيدة طل وشوف، هي رجالك على المكشوف”، و “أبو عبيدة لبيناك“، و“أبو عبيدة قالها، وإحنا رجالها“.
الزعم الإسرائيلي، بعد الإعلان عن استهداف أبو عبيدة، عند وجود دور عسكري له مواز للدور الإعلامي، قد يكون مبالغاً فيه، خاصة وأنه يأتي بعد استهداف إسرائيل لصحفيين كثر، أثار حالة من القلق والاستياء الدولي من المقتلة البشرية التي تجري في غزة.
الكثير من التصريحات الإسرائيلية تدلل على مثل هذا القلق، لكن يبدو أن إسرائيل الآن، وبعد استهدافها للبنية السياسية والاجتماعية والأمنية لحماس، بدأت باستهداف الإعلام المرتبط بحماس، وفي غزة عموماً، ويبدو أن التوقيت مقصود لعدم الفصل بينهما، وهو ما قد يعطي الإسرائيليين معرفة عن حال الهيكلية تلك التي أسس لها الجعبري عام 2004.
لكن يترك استهداف أبو عبيدة سيناريوهين أمام القسام، وهو إما أن هناك مأسسة إعلامية خلف الصورة الإعلامية لأبي عبيدة، وقد انتبهت الحركة لمسألة الخلافة، في وجود أشخاص قد يخلفوا أبو عبيدة، لكن، من خلال قراة الهيكلية العسكرية، والسياسية، لا يبدو أن قيادات كثر قد بقوا.
وهذا السيناريو قد يؤثر في التفاوض (أو المحادثات العقيمة القائمة عبر الوسطاء)، كما أنه يساهم في تعزيز صورة إسرائيلية عن هزيمة حماس (طبعا هذا يزيد العبء على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للتوصل إلى صفقة، لكنه لا يبدو أنه يكترث).
وبالمقابل، إن نجحت كتائب القسّام وحماس، في ممارسة عملها الإعلامي، فإن هذا سيعزز من الصورة الإيجابية لحماس في الشارع العربي (بشكل عام)، ويعزز الموقف التفاوضي، عبر ضخ المواد الإعلامية، وإعادة انتاج أبو عبيدة.
وإن كان السيناريو الأول الأقرب للتحقق، فإن نموذج أبو عبيدة سيكون ملهماً لكثير من الحركات المسلحة بالاتباع لتوسيع قدراتها التجنيدية، وعلى رأسها طبعا الحركات الفلسطينية، التي ثبت ارتباط الجماهير في المنطقتين العربي والإسلامية بتلك القضية.








